من وحي الصبا
الكتاب
لمح شغفي بالكتاب ، وقرأ رغبة إمتلاكه في عيني فقال لي :
- عشرون سنتيما وهو لك ..
صدقته ودفعت له ، وأمتلكت الكتاب ..أغوتني صفحاته الصفراء ، وقصصه الطريفة ، ورسوماته الحالمة .. فأسلمته كل اهتمامي ، وصار قطعة وجود نابضة مني ...
غير أنني لم اهنأ بصحبته طويلا ، إذ عاد فتحجج بالدرس وسلبني أياه كرة أخرى ..
- أعرني أياه لأحضر من بعض نصوصه واجبا مدرسيا .
- متى ستعيده لي ؟..
- حينما أنتهي .. لا تتطلب المسألة غير ليلة واحدة ...
مضت ليلة ، وليلتان ، وثلاث .. ولم يرق قلبه لأنتظاري ، ولا حمل نفسه على الاعتذار ..
في خلال ذلك تجاذبت أطراف حديث مع النفس ...أيكون قد نسي أمر الكتاب وأحقيتي في إمتلاكه بعد أن دفعت له عشرين سنتيما؟..
ووجدتني أخرج عن صمتي واسأله :
- أين الكتاب ؟...
- ألن تبتاعه مني ؟..
- لكنني دفعت لك قبل هذه المرة ..
ضحك بإستهزاء وهو يقول :
- أتعتقد أن مثل هذا الكتاب يساوي عشرين سنتيما ؟..
كنت أعرف أنه يستغل فارق العمر بيننا والذي يتخذ منه إشعاع سلطة لا قبل لي بمقاومة سحره ، وخيط أخوة يجبرني على الانصياع وعدم التأفف والشكوى ، وحاجة قلبي ولهفة روحي ورغبة نفسي في امتلاك الكتاب
* * *
لم أكن أدخر فلسا واحدا ،وعليه فقد طلبت إليه أن يمهلني لبعض الوقت حتى اتدبر أمري ، وأطلب من والدي ثمن الكتاب ..
رمقني بنظرة توجس وهو يقول :
- أريدها قبل الغد ...
لم تواتني الجرأة على فضح أنانيته ، أو لعله خوفي من والدي وهو يلجمني بحكمته ، من أن الكتاب ليس من مقرارتنا المدرسية ، وأننا نهمل مابين أيدينا من درس ، في سبيل كتاب لا يمت بصلة إلى تعليمنا ..
ولكن الرغبة أكبر من أن تخذلها عواصف الأفكار ، أو تلجمها رؤى الحكمة ، أو تحبطها قلة ذات اليد ..
وفي الغد ...
كنت أدفع له وهو يهمس :
- هو لك ..
مددت يدي ، وفي عيني رغبة إمتلاك ، وفي روحي شغف لا تخطئه العين .
كتبها طارق لحمادي في 09:49 مساءً ::
أخي طارق
أنت هنا محطة أخرى إضافية تجهز لرحلة عبر الماضي لفترة
ما يسمى بالزمن الجميل، الطفولة والصبا... وطيش الشباب
وتلك العزيمة التي لا تكل في الحصول على ما كنا نريده...
في عناد... وللكتاب ... خصوصاً غير المدرسي الذي كان يحتل
مساحة كبيرة من نفوسنا ... ولع آخر من تلك الأيام ... والتي غالباً
ما كانت تصدم مع ما يظنه الأوصياء على إتمام الدرس انه تعارض
مع المصلحة العليا... في تلك المرحلة
لكن لم يكن يسرقنا حقاً منه سوى ... ذلك الدرس والتحضير لما بعد الدرس
من إمتحانات كانت كفيلة لإثارة الحنين والشوق .... لكل ما هو غيـــــــر مدرسي.
دمت بخير وعافية
طارق ...
سأخبرك قصة صغيرة ..
عندما صدر كتاب - شيفرة دافنشي - أردت أن أحصل على نسخة منها .. لكن عبث لم أجدها في أي مكتبة حيث أقيم في غربتي ..
لي عمٌ كان مولعٌ بالكتابة والقراءة وبالكتب القديمة والحديثة .. علم برغبتي بهذا الكتاب .. فـ راح يبحث لي عنهُ في كل مكان تحت لهيب الشمس وهو مريضٌ هرم .. إلا أن وجد الكتاب .. .
في اليوم الثاني فاضت روحهُ الطاهرة .. فاضت مخلّفه خلفها أكوامٌ من الكتب والأوراق والأسطر والكلمات .. أكوامٌ من الدرر الثمينة ..
وبعد أسبوع .. جاءت إبنة عمي ( إبنته ) من سفرها .. وسلّمتني الكتاب .. صُدمت .. قالت لي ليتكِ رأيتي إبتسامته وسعادته حين عاد للبيت وبيده الكتاب .. صوت أنفاسه المتعبة وحدها التي كانت تمنعه من التعبير والكلام ..
لم أكن أعلم أن عمي ( رحمة الله عليه ) كان يبحث لي عن هذا الكتاب .. لم أكن أعلم أهمية الكتاب بالمطلق في وجدان عمي ..
بكيت .. لا بل أجهشت بالبكاء وأنا أحضن الكتاب كطفلٍ صغير .
عزيزي طارق
نص جميل يحمل واقعا ربما كلنا عشناه بشكل او بآخر فعلا حين يستغل احدا هذا الشغف يكون في منتهى القسوة ؟؟؟
وانا حصل معي قصص كثيرة من هذا النوع وآخرها كانت منذ فترة ليست بالقصيرة حيث كنت أقرا آلام فارتر لغوته حيث كان لزوجي وأخذه مني أثناء قراءتي له وأعطاه لاحدهم وظل حرقة في داخلي كان بودي إتمام قراءته ؟؟؟؟؟
مع المحبة
تحياتي أستاذ طارق:
هذا المشهد القصصي الطفولي الذي شاركتنا به من وحي الصبى،مسبوغ بأسلوبك المميز في تحويل العادي إلى حدث هام،وفي سبغ التقليدي بنكهة إبداع..أنت تتذكر صباك ولكن برؤية الفنان الذي يستدعي العبرة لا الحادثة بكل تفاصيلها بشكل أدبي جميل بدل أن تصفّها على شكل حكمة جامدة قد لا تتشبث بذهن الكثيرين كما تفعل هذه القصة الواقعية التي اتحفتنا بها..
يحذر بعض الكتاب من تطرقهم لحياتهم الخاصة لتكون مادة فنية أمام القراء..البعض ينتقد اجترار الماضي،ويعتبره إشارة لقلة الخصب او لخواء الخيال..وكل تلك الآراء ليست إلا محاولات لنزع الصفة البشرية عن الكاتب الذي مازال محاطا بهالة قداسة تقيده (برأيي)وتجعله يخجل من استخدام حياته كما يستخدم حيوات الآخرين (واقعيين كانوا أم من وحي خياله) لتفريغ الفكرة التي يريد ويحتويها بالقالب الأدبي الخاص الذي يتقنه..والأستاذ طارق هنا يدحض كل تلك الأقاويل،ويجعلنا -في كل مرة يكتب فيها من وحي حياته بشكل خالص او عندما يلقح تلك الحياة بإبداعه الخاص وخياله الخصب-،مدركين أكثر أن كل كاتب لا يكتب في النهاية إلا حياته الخاصة جدا،سواء كتب سيرة ذاتية ،او كتب رواية ميتافيزقية،فالكتابة بالمحصلة هي عملية تفريغ موجهة لذات الإنسان ولها أهدافها الخاصة..
الفكرة التي اُثارتني في هذه القصة،ليس فقط أهمية الكتاب بالنسبة للطفل الكاتب،بل سلطة الأكبر والنظام الصارم للتسلسل العمري الذي ما يزال يقيد عقليتنا الشرقية..وانعكاسات ذلك أيضا وجدتها واضحة في القصة على قصرها،فالأخ الأكبر يستغل سلطته ويستمر في حلب الصغير والضغط عليه،والصغير تتأصل لديه نزعة الخوف ويذعن لذلك الاستغلال على الرغم من وعيه بأنه يتعرض لسلوك مغلوط..
.
.
دمت بخير
قصة رائعة من كل الجوانب وجمال واضح في الحكاية التي تعانق واقعنا وتكشف عن أقنعة كثيرة يرتديها البشر ... فمنذ أدم عليه السلام والأنانية تطبع أخلاق البشر وتدفعهم نحو السيطرة على الأضعف... وقد كان أول قتل بين أبناء أدم الحلقة الأولى في سلسلة الأنانية وحب التملك وسلب حقوق الآخر ... وماقصة يوسف عليه السلام إلا دليل أخر في حلقات هذه السلسلة ... ومع ذلك في كل نهاية تنتصر الحكمة وتعلو راية المحبة ويأخذ صاحب الحق حقه ... وهذا الذي حكاه لنا كاتبنا وأستاذنا طارق في قصته الكتاب . والتي قرأنا في سطورها حقيقة أخرى عن مشكلة حب القراءة في مجتمعنا ، إذ إستطاع الأستاذ طارق أن يدفع بالمجتمع بطريقة غير مباشرة إلى الإهتمام بالكتاب والعمل على إمتلاكه والحفاظ عليه حتى لو كان بأثمان باهضة . فالقيمة هنا غير مرئية ، بل هي روحية ونفسية وسلوكية ... شكرا للأخ طارق على قصته الكتاب التي جعلتنا نستيقظ من جديد على الواقع الذي آل إليه الكتاب في عصرنا مع تزاحم وسائل الإتصال المختلفة كالقراءة الأكلترونية ..... وكأني به يسأل : أين موقع الكتاب في هذا الزمن..؟
العزيز الأستاذ طارق
أشكرك على تلك القراءة العميقة لقصتي الأخيرة " قطار المساء" وهي بحق قراءة
أعتز بها، تجعلني بمواجهة ما أكتب تماماً... وتضيف للنص ابعاداً أخرى لتجعلني أشعر
بمتعة ما اكتبه انا ولكن من خلال تلك القراءة...
دمت بخير وبارك الله فيك
الصديق العزيز طارق لحمادي
قبل أسبوع اتصلت بالأم الصدية ربيعة وكان من الحديث أن قلت لها أنني أخاف أن أموت قبل أن أقول كل شيء في داخلي. ضحكت وقالت إن ابني طارق كان يقول نفس الشيء وهو صغير.
قبل ثلاثة أيام توفي ابن خالتي وهو لم يتجاوز التاسعة عشر من عمره، تذكرت كلامي وكلامها. فوجدت أن الكتاب الوحيد الذي سيبقى عصيا علينا فهمه هو كتاب الحياة ... هذه الحقيرة التي تخلص كثيرا لرغبة الموت.
ترى ماذا قال ليث وما الذي لم يقل ؟
كم أنا قلق بشأن وجودي الذي سيبتلعه الموت يوما ما.
لا لأني أحب الحياة، لكن لشعوري الدائم بأنني كائن هامشي لم يدرك أدنى معرفه عن ذاته بعد.
أعرف أن التعليق ليس له علاقة بموضوعك
اعذرني
لن تقطع تخومها مهما أوغلت في السفر....
********
نظر إلى ساعته باستغراب...
ولأول مرة كانت عقارب الساعة تتراجع نحو الوراء بسرعة مدهشة..
تراجعت في غضون دقائق ثلاثون سنة...وتوقفت عند الثانية عشر..
الثانية عشر بتوقيت الطفولة...
الطفولة الهاربة...الطفولة العائدة...الطفولة النابضة في أحرفه...
الشارع يضج بهمساته...
تدور عيناه الصغيرتان في ذلك الأفق الأزرق...يسافر مع السنونات المهاجرة...
يفصل من الغيم مراكب الخيال..
وعندما كانت خيوط الشمس تعلن الغروب..كان يضمه التعب...
يستلقي على سريره..يعد النجوم..ويذهب في اغفاءة طويلة...
كان العالم اليه سفر في حلم....
لذا لم يصدق ذلك اليوم عندما اجتمعت تلك الأحلام في كتاب مصور للرحلات....
فغر فاه فرحا....بكم هذا الكتاب؟؟؟
عشرون سنتيما...
بحث في جيبه ...وقدم كل المال الذي ادخره من أجل لعب وبعض عرائس سكر...
وأخذ الكتاب.....وحلق كنورس صغير في فضاء بلا حدود...
**********
أحيانا عندما تحاصرنا الحياة..نبتاع الأحلام في كتاب صغير!!!!!
***************
تزاحمت الأفكار...العواطف...الرؤى..في براءة عينيه الطفوليتين..
بحث عن أفق ليرسمها عليه...
ضاق الأفق..أخذ شكل سبورة صغيرة..
لا تزال عيناه الصغيرتان ترسمان لوحة الدهشة..
كيف يمكن لمستطيل صغير أن يجمع كل هذه الأحلام..
اتسع الزمن قليلا..تدحرجت طفولته معه...
كبر ذلك اللوح المستطيلي...تناثر لوحات...
لكن هل أصبح فنانا؟؟؟
هو؟؟؟؟
كانت روحه هي ذلك الفنان القادر على التقاط ألوان الطيف...وتحويلها لقوس قزح....
عزيزي طارق...
اسمح لي باسلوب بسيط ان اعبر عن مدي سعادتي وفخري (كبرعم صغير في عالم الادب)بهذا العمل الرائع الذى يعتبر ثمرة نادرة في عالمنا هذا ...
واسمح لي ايضا بإبداء تعجبي من افكار عرفتها في كتاباتك كنت افكر بها من قبل استشعرتها وجدان للروح جعلت اسرير الامل تنبعث في قلبي من جديد تذكرني بان الادب مازل موجودا يخفق في جنبات الظلام ليضيء الكون نورا ...
لك مني كل تمني بالتوفيق الدائم ...
صديقتك بسنت
غموضك لا معنى له تكتب لامثالك من المعقدين نفسيا الذين يحاولون تغطية عجزهم الفكري بكلمات فضفاضة ورمزية لا معنى لها فهمت ما قرات لك وادركت سخف افكارك و بساطتها
الاسم: طارق لحمادي




































