انتظره تحت شرفة بقالة اتقاءا من المطر ، يأذن النهار برحيله فيما يمارس حضور ضوء لمبات الشارع والسيارات رجفة تهز القلب الصغير ، اذ يكتسحني شعور بأن الليل قد جن .. أردد في سري ...
- ماذا لو لم يأت ؟...
الطريق الى بيتنا طويل .. تخترق قلبه مقبرة .. والأضواء لا تغطي الا جزءا يسيرا منه .. المحفظة تتأرجح في يدي الصغيرة ، وانا أمد بصر الخائف الى كل سيارة تبطيء سرعتها أو تتوقف ..
يتحرش المطر بالأرض ، أتابع زخاته وهي تختلط بشعاع الضوء ، ويمتد الوقت طويلا .. يمزقني احساس قاتل بعدم قدرتي وفشلي في مواجهة الوقت وهو يتسرب دون أن اظفر بوجهه .. ترواغني الخواطر والهواجس بحالات من الشرود ...
- لا تقلق سيجيء ...
ينتشلني الصوت من فوضى احاسيسي.. فأهز راسي بياس واسأله :
- كم الساعة ياعمو ؟...
- السابعة والربع .
تنداح في القلب وساوس وتترامى للبصيرة اجيالا من الرؤى .. وتحضنني خواطر البحث والسؤال عني من طرف اخواتي ، وأؤكد لنفسي بما لايدعو للشك .. انهم على يقين تام من انه ليس بمقدوري أن اصل البيت وحيدا .. في قلب ظلام حالك ومطر منهمر ومقبرة تحتضن طريقي في جوفها وترجمني باشكال واطياف من الاشباح ...
اتسمر في مكاني وتهز بدني قشعريرة ، وصاحب البقالة يعالج اغلاق باب بقالته ويطمئن :
- لا تقلق .. لعله ظرف طاريء هذا الذي أخّره ..
- لكن الليل ... لكنه ....
- هل امرك بانتظاره ؟...
- نعم .. قال لي انتظرني ريثما أجيء ..
- لاتقلق .. مادام قد امرك فسيجيء حتما .
يؤرجحني البقال في نغمات كلماته ويمضي تحت وابل المطر .. وتؤرجحني الآمال في انتظار والدي الذي ابطأ على غير عادته ، وتتيبس يداي من برد قارس عصف بهما .. فأستنجد بجيوب معطفي .. تاركا المحفظة لصفعات الريح والمطر ، واشرد بخيالي في دنيا الخوف والمصير المجهول ، فيما عيناي تتربصان باضواء السيارات والسابلة .. وأحس وكأن الهدوء يقبل بجرعاته الزائدة فيقتل عصافير الآمال في مجيء والدي ..
يتملكني اليأس .. وأترواح في مكاني بعصبية ، ثم أبرح شرفة البقالة ملاحقا أضواء السيارات غير عابيء بالمطر ولا بمحفظتي التي تركتها هناك ..
* * *
ومن هناك ، من مكان ما .. مازلت لم احدد نقطته الى اليوم ، يجيئني صوته مبددا نار حرقتي ، مداويا جراح انتظارى :
- تاخرت عليك كثيرا ..ياابن الكلب ؟..
أتلعثم من فرح عودة الروح .. أقبله بشغف الوجود .. واهرع الى محفظتي ناسيا برد الشتاء ومطره ، ولساني يسيل بكلمة وحيدة :
- كنت في انتظارك ...
كتبها طارق لحمادي في 03:38 مساءً ::
أستاذي ووالدي الحبيب طارق
أنتظرت كثيرا وعندما وجدته بتوبيخه وقسوته هرعت اليه
عندما نحب نتألم فعلا،ومن الصعب ان ننتظر ولا نظفر بشيء
من أعظم الأحاسيس أن تشعر أنك طفل صغير في أحضان والده،في الدنيا نبحث عن الوالد الغائب في كل شيء،ونتوق له ،نتوق له حتى لو لم يكن هو...
لكن الأصعب أن ننتظر وننتظر لنحصل على أب ،على صدر حنون وعاطفة حقيقية وعندما نجده لا نلمح الا القسوة ممن خلنا انه لو قست كل الدنيا لن يقسو
أستاذي لن اعلق بأكثر من هذا
لأنني لا أشكل نقطة في بحر ابداعك ولا يحق للنقطة التعليق على أعمال البحر
تحياتي.
يبدأنا كل يوم في انتظار ما.
هكذا نحن مرغمون على عدم التصديق، لأن الكذب برهان الوجود الصادق.
الخيال قربان الحنين
قافية المعنى الذائب في سراب الذات
ماء الخلود
أستاذ طارق
كتاباتك توجع ألم الظلال
تحيتي والمودة
salut
كيفك أخي العزيز والله اشتقنا لطلتك
أواسيك و أتمنى لك يوما يكون فيه الفرح زائرك
**زنوبيا الجزائرية **
مشهد جميل صورته بإحساس عالى
سعيدة بزيارتك لمدونتى وسعدت بزيارتى لمدونتك واتمنى دوام التواصل ان شاء الله
طارق لقد اقتفيت أثرك حقاً..
وأشكرك لأنك تركت خطواتك في مدونتي لأتبع أثرك
نقلت احساس الانتظار بشكل رائع ..وكأني تلك الطفل الذي شعر بان الأمان كله ياتي بلحظة أسمع به صوت والدي..
كم رائع هذا الشعور وكم غنية تلك اللحظة ..
أشكرك من كل قلبي لأنك تركت لي أثر حروفك الزاهية وسأتبعها دائماً
لك تقديري
لعبة الانتظار التي تحولنا بيادق تلاعبها اصابح الامنية والحقيقة كما تشاء
.
حرقة تسيل هنا
ووهج الوصول يذيبنا اكثر
.
دمت رائعا سيدي
سلمت يمناك على هذا الادراج الرائع
وكما اود شكرك على زيارتك الدائمة لمدونتي
دمت وبصدق
خديجة كيلاني
اعرف اني تأخرت ...
الانتظار ....
ما اقساه حتى لو كان للحظة
في كل منا طفل انتظار
تراه آماننا .....خوفنا مايخلق انتظارنا ؟؟
تحياتي لك
مي
يا عم طارق ، انا للأسف مش بليغ باللغة و لا عندي حس الكلمة , اسمحلي اكتب بلهجتي ، لما تكتب بتكتب من بينا و لما تحس ما بتطير فوق .... يعني عمرها كلماتك ما كانت رافعة راسها فوق روسنا ، بس لما نقراهها بنحني روسنا تقدير و لو حتى شوي ، ترا مرات الموقف بحرك جسمك بدون امرك . سميها ردة فعل :) . و بصراحة انا ما شفت بالقصة الانتظار بقدر ما شفت تفكير طفل . يعني كلنا كنا اطفال بس بتحدى انه كثير ما بتذكرو كيف كنا اطفال ، و عبقرية انك تقدر تتقمص عقلية شخصية بدون ما تلونها بعمرك و بنفس الوقت تكون حبكة القصة بلون عمرك و سنه .
ممكن كثرت كلام و ممكن ما تقرأ ه . بس اكيد بسعدني اني كتبتلك .
يشرفني حضورك ايها الرائع .. وتسرني كلماتك ، وبرغم عدم ضلوعك بلسان العرب الا ان حميمة روح فهمك قد حطت على روحي .. قولك انك لم تر قصة قول فيه من الصحة مايجعلني اوضح امرا وهو ..
مذ وفاة والدي رحمة الله عليه في آب الماضي عكفت على كتابة ماادرجته تحت عنوان ذكريات من ارشيف القلب .. ونشرت لحد الان وقفة اسميتها عطر البدايات وهذه الوقفة التي كانت تحت عنوان في انتظاره .. وقد حاولت الا اكتب الى جوار هذه الوقفات كلمتي قصة قصيرة حتى لايتيه القاريء في رسم روح مسبقة لقراءة قصة .. انها مجرد ذكريات يهزني الحنين اليها كلما زارني طيف ابي ..
وعليه ستجد الى جوار القصص مايشير الى انها قصصا قصيرة ...
اكرر شكري لحضورك واطرائك ودقة ملاحظتك .. وانحني امام فيض حسك ايها الرائع
دمت بصفاء
الاسم: طارق لحمادي




































