طارق لحمادي

الخميس,أيار 01, 2008


 

120960

الفضاءُ عينُهُ ، زرقة ٌ لم تمت ، غير أنها تضيقُ هنا وأنا أواجهها فيما تتسع هناك حين أرنو إليها .. لكن النهايةَ موت ...

أما البداية فقد كان السلك مغرٍ ، ذلك الذي يمنح تجلٍّ أعمقَ لكائناته الصغيرة والجميلة ، وهي تتخذ منه ملاذا لراحة أجسادها .

- الشجرةُ ملتفةُ الأغصانِ ، أوراقها تحجب الرؤية .. يتنقل العصفور بحريتهِ الكاملة دون أن يتركَ لي فرصة ً للتسديد ..

قلت له :

- والسلك ؟...

قال :

- يعطيني مجالا أوضح ..

*    *    *

كما في كل طفولة ، يغوى الاحساس بابتداع صنوفٍ من اللعب .. يصرّ هو على الصيدِ ، يقتطعُ من شجر الزيتون غصنا صغيرا متشعبا ، ليشكل به أداةَ قتلِه ..

يتربّصُ ، يُلجمُ الحركةَ ، ويحبسُ النفس ، ويرنو بهدوءٍ إلى الأغصان .. خطواتُه محاذرة وفي عينيه سؤالُ الموتِ ..

تعيقُه الأغصانُ عن التسديد ، فيتحول الى السلك .. يتراجع .. يختار اللحظة والفريسة والتجلّي .. ويصعقُ العصفور .

من قلبِ العشبِ يلتقطُ جثة ً صغيرة ، ينفخُ في ريشها فيطلُ فمُ الجرحِ ..

تستبدّ بهِ نشوةُ القتلِ ، بلا هدفٍ يسفحُ الدمَ ويضحك .. يرمي الجثت الصغيرة في عراء الأمكنة ، ويضجُّ بالحديث :

- عصافيرُ السلكِ لا مجالَ لها للإفلات من ضربتي ..

- لماذا لا نلعبُ لعبةً أخرى ؟..

يتنقل بخطواته الصغيرة الحذرة ، و(التيربولات)* في يديه وهو يقول :

- هاتِ لي ألعابا وسأكفّ عن الصيد ...

يحطُّ طائرٌ على حدودِ الموتِ .. فوقَ السلكِ يتجلّى .. يحفر بمنقارهِ في ريشه .. يحركُ رأسهُ بقلقٍ .. يتبرز .. وينظر في فضاءٍ أزرق .. نفس الفضاء الذي يضيق بي هنا وأنا أتربّص ، ألجمُ الحركةَ ، وأحبسُ النفسَ ، وأرنو بهدوء إلى صورتها ..

على نفس السلك نحط نتخذ منه ملاذا لراحة أرواحنا ..

- ٌالحياةُ محبطةٌ والواقعُ موجع .

قلت لها .. وهذا الحب الذي لا يصحو إلا وهما ..

قالت .. يعطيني أملاً في الحياة ..

العصافير تصطفُّ على امتدادِ السلك .. وفي الليلِ تتحولُ هي إلى عصفورة على الطرف الآخر منه ..

يضاءُ الفضاءُ الأزرق ، يعود صاحبي بتيربولاته وهو ينقل موته محاذرا ، حابسا أنفاسه ، متربصا بقلقه ..

- أُنظرْ إليه ..إنه يستمتع بوقفته على السلك .. همسَ لي .

فصرخت ...

- لا تفعل .. لا تقتله ...

مثل صعقةِ كهرباء ، سريعة ً ، محمومة ً، مرواغة ً.. كانت الضربة، وكانَ العصفورٌ جثة ً على الأرض ..

نظرتُ إليها عبر الليل ِ وعيناي غارقتان في دموع ٍ كسيرة ، وأذناي ترهفان السمعَ وهي تسأل :

- هل مات ؟ ..

عصافيرٌ كثيرةٌ تموتُ ، تهربُ من أفخاخِ الأرضِ إلى آمال السلك .. فتلقى حتفها ..

- هل سنموت نحن ؟..

يصرخ بي وهو يسدد ضربته للعصفور :

- اعطني واقعاً يليق بي وأعدك بأن لا نموت ..

أرنو لفضاءٍ أزرقٍ يقطعه سلكٌ أسود ، يتراءى لي العصفورُ نقطة ً سوداءَ ، نحط على نفس السلك ، نتنفس الخوفَ ونتنهد ..

الأرضُ تضيق .. جسدي باردٌ .. يرتعشُ ريشُ العصفور تحت صفعةِ يدِ الريحِ ، قبلَ موته .. شقشق .. مسحَ الأرضَ بنظرتِه الخائفة ...

يهمس لي وأنا أتبعه :

- لا تُثر حركة ..

أتجمد في وجه الفضاء الأزرق الصغير ، آلاحق تفاصيل وجهها .. وحركة اهتزازه على السلك ..

الآن ..

وصعقه بلا رحمة .

*   *   *

كان الليل باردا لأبعد حد .. حين قتله .. وكنتُ أحتضرُ من بردٍ يحفُّ سنواتي الطويلة .. طرت بجناحين إلى السلك بحثا عن الدفء .. جسدي يرتعش وجسدها يتلوى .. احتضنتني فأحتويتها .. وغفونا ...

مثلَ صعقةِ كهرباء ، سريعة ً ، محمومة ً، مرواغة ً.. كانت اليقظة .. وكان السلكُ يهتز .. يتداعى .. يمتد .. ونحن نـ...مـ...و..ت ..

ــــــــــــ

*

اسم فرنسوي لأداة صيد تصنع من اغصان الأشجار



في01,أيار,2008  -  06:55 مساءً, ramzi ahmad كتبها ...

استاذنا العزيز الحمادي
عرفتك اليوم من خلال مقالة....لا اسميها تعليقا....على امدونة للكاتب الاردني يوسف ضمرة...كنت سأكتب شيا عن قصة الذئب..جميلة هي وتذهب بنا بعيدا حيث نشاء...كما ذهبت الان حيث اردت الى السلك...أحدهم قال ذات مرة ...وانا الذي قلت ساصعد...ليقطع السلك....
مقالتك عن الذئب هي قراءه ربما ابعد مما اراده ضمره ...ذهبت بعيدا الى فرويد
ولم تترك لأحد شيا ليقوله
تحياتي ومودتي

في03,أيار,2008  -  01:33 صباحاً, ريميديوس كتبها ...

تحياتي أستاذ طارق:
آن لك الان أن تتخذ لقبا يشبع غرور عصافيرك المغردة،سألقبك إن سمحت لي ب"أديب العصافير"،أو"عصفور الأدب"..
ولنرىمالذي تحمله لنا في جعبتك أنت وعصافيرك في هذه القصة التي أسدلت الستار فيها منذ البداية
(لكن النهاية موت)
ثم بدأت ترفع ستار الفرجة مرة أخرة على مشاهد يراوح فيها ألم الإنسان بين الواقع وقسوته،وبين الإنسان وأعماقه التي تحوم حول الهلاك دون أن تجد مبررا لاتقاء الموت،فالغواية تعد بالحياة،والمسألة هنا كما أراها"مسألة موت أو حياة" والحرية هي التي تميز بين الحياة والموت هنا..
العصافير تحاول الفرار من الشجرة لتوسع الأفق أمامها وتحلق كما أراد الله لأجنحتها أن تفعل.. تحط على السلك لتتأمل الزرقة التي تغوي بالحرية اكثر،وإذ بها تشرف على هلاك فضيع.. فتأتيها الضربة من حيث لا حتسب ولا تتوقع ، تخترق الجسد الغض الذي ينبض حرية فيسقط صريع حريته التي عانقها لبعض الأمل فوق السلك..
يطل الأستاذ طارق بعد ذلك على عبثية الموت الذي يمارسه ذلك الصبي والذي يعكس حالة الاحتقان التي يعيشها الإنسان المقيد والعاجز عن الحرية والذي يعوضها باستلاب حرية ذلك العصفور والتنكيل به كي يستشعر هو بعض النشوة..فاقد الشئ يسرقه دائما من الآخرين..

وعلى جهة أخرى من الوجود،المشهد نفسه..هو وهي..كتلك العصافير..السلك في هذا المشهد ليس إلا رمزا للتواصل العاطفي(الحب):الكمين الأكبر الذي تنصبه الحياة للإنسان الذي ينشد أروع حرية بهذا الحب،فيقع صريعا ضعيفا..لذلك يقولون:"وقع في الحب" لأنه سقوط في هاوية الجنون التي تفتحنا على كل احتمالات القلق والشوق والخوف والرغبة والغياب والالتحام والهروب والالتجاء.."والنهاية موت" أيضا..والصياد هنا هو الواقع الذي يناور فرحهما "كالعصافير" التي تبتهج بالفضاء الأوسع ولا تنتبه للمكائد..

(وهذا الحب الذي لايصحو إلا وهما..قالت
- يعطيني أملا بالحياة )

وبالمقابل هو يكشفهم أكثر على الهلاك....و ن م و ت..النهاية مغلقة ومفتوحة..الموت واحد في الدلالة ولكن له أشكالا كثرى: قد يكون الموت في عيون الأخرين،والانتحار أمام الواقع و موت كهذا قد يمنح حياة حقيقية...أو انه موت اليأس:موت لا يرحم..أو هو موت فراق..أو برزخ لحياة تاتي ولا يعلمون كيف تكون..هو موت لا يتكهن القارئ به ولكن في كل الاحتمالات هو وجع لا راحة ترتجي فيه..

أرجو أن أكون عانقت بعض الجراح هنا..فالقصة تنزف ولا أدري أن كنت ضمدت جراحها ببعض الاحتواء..
دم كأنت لا يشبه عزفك إلا صوت الماء..
دمت بخير


في03,أيار,2008  -  08:29 صباحاً, ناصر الريماوي كتبها ...

الأخ طارق لحمادي
تحية

أحيانا تقودك المدونة الأم إلى أرخبيل لا يكتفي بجغرافية الجمال دليلا لحدوده، بل يتعداه لإمتدادات ساحرة توقعك في الأسر...
العزيز طارق قادتني مدونة الأستاذ ضمرة إلى هنا ومن هنا إلى مدونة ريميدوس، تلك قادتني إلى مدونة الأخت ربيعة الناصر... وهكذا متوالية يحكمها سحر الغريزة الأدبية والتوق لإيحاءات جديدة مستترة تسكن خلف أستار الكلمة، لم أكتفِ هنا بأرشيف يؤسس لذاكرة جديدة، لأحتفي به خلسة، بل تماديت تحت تأثير عزف كان يصدح من زاوية ما لتشعر بعد سماعه للمرة الأولى بانك أنتَ من لحّنهُ، أقول تماديت إلى حد الفائض في المكوث كلص أذهله الجمال فنسي نفسه... ألهاه عن كل شيء كان أمامه فمضى الوقت بلا عقارب تشير... فوقع في الأسر.

تحياتي لك وللجميع

في03,أيار,2008  -  08:53 صباحاً, ســــــــــارهـ كتبها ...

الحياة والموت علامة إستفهام وشمها الإنسان على وجه هذه الأرض
ولن يعرف الجواب أبدا ...

الكاتب جعل من كفّيهِ ميزان
يحمل الحياة بكف والموت بآخر

الحياة حب الإنسان وأمله وفرحه
الموت كره الإنسان ويأسه وغضبه

الحب والكره والأمل واليأس والفرح والغضب موزعان بالتساوي بين البشرية
إذن .. لن ترجح أي كف .. سيظل الإنسان معلق بهذا الميزان الى يوم العدل

العصافير هنا .. هي عينها هذا الإنسان الضعيف الذي لا يعلم أين وكيف ولم يموت
والسلك هو الأرض التي تحمله ولا تستطيع أن تحفظه من الموت

الصياد هو كره وغضب ومن ثم موت الإنسان
صاحب الصياد هو حب وفرح وحياة الإنسان

،
،

سيدي طارق
هكذا قرأتك أيها الرائع
لتكن بكل خير ومحبة
......

في05,أيار,2008  -  10:21 صباحاً, mamass كتبها ...

العزيز طارق
تحياتي
هذا العمل تتحول فيه الحقيقة إلى خيال ومع تطور التفاصيل أجيد الخيال يتحول إلى حقيقة هنا يفرض العمل الفني قوانينه وهذا ما يجعل الفن خالدا عكس الواقع الذي يتفكك حسب إختلاف عناصر الخلايا الإنسانية عبر التاريخ ؟؟؟
هنا تتداخل الصورة فيما بينها قدر العصافير وقدر الإنسان والرمز الذي يلعبه الطفل المستبد كأنه القدر !! هل هو إشارة للقدر العابث أم هي ظلال تشوبها تراجيديا كونية تجرف ملامحنا الحقيقية في عبث دائم ؟؟

السلك هو ذالك التيار ربما الموت ربما المغامرة التي ترتبط بالإنسان فالعصافير تغامر حين تقف فوق السلك الكهربائي !!ثم هل كل من حاول الوقوف فوق سطحه لا بد من تلك النهاية ؟؟ النهاية كانت مأساة مفجعة ؟؟؟؟؟

ما فهمته هو أن القدر العابث هو البطل الحقيقي هنا والطفل يجسد هذه العبثية الوجودية !!!!!

أعطيني واقعا يليق بي وأعدك بأن لا أموت ؟؟؟؟

هكذا يدعي هذا البطل الوجودي الذي يرى نصفه الآخر في الطرف الآخر من السلك !! أليس الموت رهين لحظاته مادام الواقع لا يمت له بصلة لأنه في هذه الحالة ينفي وجوده بهذه الصيغة ؟؟ خارج السلك يحتضر وفوق السلك يموت أليست هذه تراجيديا الإنسان الحقيقي في هذا العصر وما بين الإختباء وراء الأغصان والظهور فوق السلك معاناة وقلق وجودي فائق الضراوة ؟؟؟
النص جميل ورأيت فيه مأساة الإنسان الحقيقي الذي يسعى لوجوده كأنه يسعى لحتفه حتى أن هذا الخيال في النتيجة تحول لحتمية تطورت إلى حقيقة ؟؟؟

مع المحبة

في10,أيار,2008  -  10:59 مساءً, يوسف ضمرة كتبها ...

هل يمكن محاسبة غريب كامو مثلا كما نحاسب الآخرين؟
الفرق بين الغريب والآخرين، هو أن الغريب عبر عن عبثية الحياة ربما بالقتل الذي بدا مجانيا. تماما كما يفعل صائد العصافير. هو اغتيال يبدو غير مبرر، لكنه تعبير عن العبثية عند الطرفين. القاتل والقتيل. فالحرية ـ العصفور ـ رؤية على عينيها غشاوة.. وهم.. وحرية الصياد وهم آخر. لأن حالة الصيد التي تمثل حريته ما هي إلا تعبير عن عبثية وجوده ( أعطني واقعا يليق بوجودي وأعدك بألا أموت )! هو ليس حرا في اختيار واقعه. وعليه فالعصفور يصبح معادلا موضوعيا له، هو الذي يسقط العصفور وهو يضحك، متناسيا أن الموت نفسه سوف يسقطه في النهاية.
مشكلة بطل طارق هنا أنه يأتي على صهوة اللاخيار، وهي مشكلة وجودية لطالما عذبت الإنسان، ودفعته إلى التفكير في حلها من دون جدوى( أعطني واقعا..) وهل ثمة من هو قادر على منحه واقعا آخر؟ إذاً فالنتيجة الحتمية( الموت) باقية مع الإنسان قرينا أزليا وأبديا معا.
دمت في خير

في07,حزيران,2008  -  03:04 مساءً, نجاة كتبها ...

اغتيال العصافير وذبح الفرح وتدمير الأزهار على أرض خلقت لأجل المحبة والسلام ولكن بوهات البنادق و حجارة القنص وسكاكين المجرمين تحول دون أن يتحقق حلم الهدوء على هذه البسيطة ... أخي طارق وأنا أقرأ قصتك العصافير والسلك ، أحسست برجفة أخذت كل جسمي ذلك لأنني كنت داخل القصة ولكنني لم أكن أرى العصافير والسلك .. فقد كنت أرى دم الأطفال الأبرياء الذين يسقطون في فلسطين والعراق ضحايا واقع لم يصنعوه تماما كالسلك الذي يتباهى الطيور فوقه بالرقص وهم لايدركون أنه خطر ..


 متعة التحليق فوق دفاتر أيامي